أنا للبيع من يشتري؟
تخيّلوا معي. شارعًا تجاريًا يعجّ بالمحال ذات الواجهات الكبرى، الّتي تعرض أكثر البضائع إغراءاً. وتخيّلوا أكثر أنّ هذه البضائع ليست أشياء ماديّة، بل أطفال. يقصد الزّبائن هذا الشّارع لانتقاء طفل، ويدفعون ثمنه. قد يفاصلون على السّعر رّبما، ويأخذون بضاعتهم المشتراة ويعودون إلى منازلهم.
هل هذا ما حصل معي؟ نعم شيئ يشبه ذلك. ولم أكن أنا وحدي البضاعة المعروضة للبيع ، بل كلّ أخوتي. خمس أطفال، إخوة وأخوات، من لحمٍ ودمّ، باعونا أهلي وقبضوا ثمننا،لأنّهم لا يقدرون على إعالتنا.
حدث ذلك كلّه وأنا إبنة الشهرين من العمر. اشترتني عائلة لم تكن قادرة على إنجاب الأطفال.
غالبًا ما كنت ألتقي بأمّي الحقيقيّة في الشّارع، تراني وتبدأ بمناداتي إبنتي، وتقول لي أنّني ابنتها، لكن أمّي الثّانية كانت تصرخ فيها وتبعدني عنها، وتقول لي هذه امرأة مجنونة، تظن أنّ جميع الأطفال أبناءها.
من منهما كانت تكذب عليّ، لم أعرف. إلى أن جاء اليوم وكنت في بداية سنة دراسية، ربما كان عمري عشرة أعوام أو أكثر بقليل، حين جاءت مديرة المدرسة وأخذتني إلى مكتبها لتخبرني أنّ أوراقي الثّبوتية هي لفتاة متوفاة ، تحمل كنية العائلة الّتي أعيش معها.
أحسست أنّني موجودة وغير موجودة في نفس الوقت. من هي هذه الفتاة الّتي انتحلت شخصيتها, ولماذا ليس لي هويّة بإسمي. ربما كنت أصغر من أن أتحمّل هذا الكمّ والنّوع من الإسئلة، لكنّني بقرارة نفسي عرفت. عرفت أنّني لست فردًا من العائلة الّتي كنت أظنّ أنّها عائلتي، وهذين الشّخصين اللّذين ربياني ليسا أهلي.
عدت إلى البيت باكية، أسترجع في بالي ذكريات عن معاملة أهلي القاسية لي. كم تعرّضت للضّرب والعقاب، كم كنت أشعر بقلة حبهما لي. صرت أصرخ دون انقطاع " بدي ماما، إنت مش ماما". فضربتني وقالت لي:" بدك ماما يلي باعتك انت واخواتك؟".عندها كانت الصّدمة الأكثر إيلامًا، إذ عرفت أنّ لي أخوة وأخوات لا أعرفهم ولا أعرف عنهم شيئًا. وعرفت أنّ تلك المرأة الًتي كانت تنادي عليّ حين تصادفني في الشّارع هي أمّي الحقيقيّة.
منذ ذلك اليوم المشؤوم، إنقلبت حياتي رأسًا على عقب. صرت متمرّدة، همّي الوحيد أن أعصي أوامر أهلي حتَى يشعرون بقهرٍ يشبه قهري، لكنّهم كانوا أقوى منّي، ولجأوا إلى أكثر الحلول سهولة، وقرّروا تزويجي وأنا في الرّابعة عشرة إلى رجل يكبرني بالعمر ولم أكن أريده. لم أكن أريد أن أتزوّج اصلًا، فقد كانت المدرسة هي المتنفس الوحيد لي. وأمام رفضي للزّواج، كانت المشاكل في البيت تزداد، وكنت تحت وطأتها، أهرب من المنزل ثم أعود، وأنال من الضّرب ما يكفيني، ويشفي غليل هذه المرأة الّتي ادّعت أنّها أمّي وإذ بها تتحوّل إلى وحش شرّير.
سنة مرّت منذ أخذت "أمّي" قرار تزويجي، عشت فيها الجحيم بكلِ أشكاله. وبين هروبي وعودتي، وعقابي في كل مرّة أعود فيها, كان عليّ اتخاذ القرار الحاسم. هربت ولم أعد. كنت مرعوبة من هذا القرار، ولكنّني كنت مرعوبة أكثر من فكرة العودة. فكان عليّ في عمري الصّغير آنذاك، أن أختار بين السّيء والأسوأ.
كانت الروشة هي ملاذي، أنام في بقايا كوخ خشبيّ، لا أعرف سبب وجوده. عانيت الجوع والبرد والرّعب، حتّى التقيت بسيّدة، أشفقت عليّ ، وآوتني في بيتها لفترة. ولكن في النّهاية كان عليّ أن أتركها وأمضي لأتدبر أمور حياتي الجديدة.
تعرفت على فتاة، وهي بدورها عرّفتني على أخريات، أوصلنني لأن أبيت عدّة ليالٍ في أحد الفنادق، وهناك وتحت ضغط حاجتي للمال، بدأت شيئًا فشيئًا أدخل عالم الدّعارة، وفي كل مرّة أعد نفسي فيها بأنها ستكون الأخيرة ، كانت حاجتي للمال تجبرني على الإستمرار.
صار عندي زبائن يقصدونني، وكنت أعتبر أن هذا شيء طييعي، أن أباع مرّة تلو الأخرى، فأنا خلقت بضاعة للبيع. استمر عملي في الدّعارة إلى أن تعرّفت إلى شاب يعمل في الشّرطة، وتزوّجنا، وكان عمري حينها ثمانية عشر عامًا، وكنت أعرف أنّه مدمن على المخدّرات، فكنت أعمل وأعطيه ما أجنيه بصفته رجل البيت. حياتنا في الأغلب، كانت قائمة على الخلافات، وكنت أطالبه دائما بأن يتحمّل مسؤولية البيت لأترك هذا العمل المقرف، أريد أن أعيش في بيت احتضن فيه عائلتي ، لكنّه لم يكن ليستغني عن المدخول الّذي يؤمنه عملي.
حملت، وأنجبت توأمًا، وعرفت أنّني ارتكبت خطأً بإنجابهما ليعيشا في هذه الييئة القذرة، وقرّرت أنّنا لسنا أهلا لتربيتهما، فتنازلت عنهما لأهل زوجي، وكانا يبلغان من العمر عشرين يومًا فقط، لقد أردت لهما أن يتربيا في بيت دافيء، ويأخذان من الحنان ما حرمت منه أنا.
منذ أن تخليت عن أطفالي، وأنا أشعر أن حياتي مع زوجي خطأ، فتطلقنا، وعرفت بعد خمس سنوات من طلاقي أنّه توفي جراّء جرعة زائدة، ولم أستغرب. أمّا أولادي، فلم أرهما إلًا مرّة واحدة، كانا ما يزالان أطفالاً، اليوم أظنّ أنّهما في الخامسة عشرة، ولم أحاول أن أتواصل مع أهلي الحقيقيين، مع العلم أنّني أعرف مكان سكنهم، لكنّني أفعل ذلك انتقامًا لكل شيء.
اولادي يكبرون، ولهم حياتهم الكريمة، وأنا، ما زلت أؤدي الّدور الّذي ولدت من أجله، أبيع جسدي، وأقبض الثّمن.